U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw

د/ دعاء الهلاوى تكتب : ما وراء اللون الأخضر.. هل الوقود الحيوي طاقة أم سيادة اقتصادية؟


حين ترتفع فاتورة الطاقة، لا تكتفي الدول بالبحث عن "من أين نأتي بالوقود؟"، بل يطاردها سؤالٌ أكثر إلحاحاً: "من سيدفع كلفة الاستمرار في النمو؟". في هذا المنعطف، لم يعد الوقود الحيوي مجرد ترفٍ بيئي يُناقش في قاعات مؤتمرات المناخ المكيفة، بل تحول إلى رهان اقتصادي خشن يعيد رسم علاقة الدولة بمواردها، باستثماراتها، وبميزانها التجاري، بل وبمستقبل ريفها وصناعتها على حد سواء.

إن القراءة السطحية تضع الوقود الحيوي في خانة "الطاقة النظيفة"، أما القراءة الاقتصادية الفاحصة فترى فيه آلية ذكية لإعادة تدوير الثروة قبل تدوير المخلفات. فالدولة التي تستخلص وقودها من نفاياتها لا تحمي الكوكب من الانبعاثات فحسب، بل تحمي ميزانيتها من نزيف العملة الصعبة، وتحول عبء التخلص من النفايات إلى قيمة مضافة، ناقلةً ثقل النشاط الاقتصادي من المركز إلى الأطراف الريفية. نحن هنا لا نتحدث عن "طاقة بديلة" فحسب، بل عن إعادة توزيع عبقري للموارد داخل جسد الاقتصاد.

لكن، يبقى السؤال الجدلي: هل الوقود الحيوي مكلف؟ الإجابة تعتمد كلياً على زاوية الرؤية. إن مقارنة سعر لتر الوقود الحيوي بنظيره الأحفوري هي "خديعة حسابية"؛ فالوقود التقليدي مثقل بتكاليف خفية لا تظهر في الفواتير، بدءاً من الفاتورة الصحية المتصاعدة، وصولاً إلى الهشاشة أمام الأزمات الجيوسياسية العالمية. في المقابل، يمثل الوقود الحيوي استثماراً في "الأمن السيادي"، حيث ندفع كلفة الانتقال مرة واحدة، لنحصد عوائد الاستقرار طويلاً.

ولعل الانتقال من الجيل الأول للوقود الحيوي إلى الأجيال المتقدمة ليس مجرد طفرة تقنية، بل هو "تصحيح مسار" اقتصادي بامتياز. فبالاعتماد على المخلفات والطحالب والمحاصيل غير الغذائية، كسر العالم معادلة "الطاقة مقابل الغذاء" الصعبة، وخفف الضغط عن رئة الأرض وموارد المياه، مما جعل معادلة الكلفة والعائد أكثر جاذبية للمستثمرين. هذا يفسر لماذا لم يعد هذا القطاع مشروعاً تجريبياً، بل تحول إلى مغناطيس لمؤسسات مالية وصناعية كبرى، لا يحركها الخطاب العاطفي للبيئة، بل يحركها منطق الاستقرار الاستثماري والربحية طويلة الأمد.

وبالنظر إلى الحالة المصرية، نجد أننا لا نعاني نقصاً في الموارد، بل نعاني تاريخياً من فجوة في استغلالها. إن وفرة المخلفات الزراعية، والتوجه الجاد نحو الاقتصاد الدائري، وزراعة محاصيل مثل "الجوجوبا"، تضع مصر أمام فرصة ذهبية. فإما أن يظل ملف الطاقة الحيوية حبيس التجارب المحدودة، أو أن يتحول إلى قطاع سيادي يربط الزراعة بالصناعة بالطاقة في حلقة واحدة لا تنكسر. النجاح هنا لا يتوقف على جلب التكنولوجيا فحسب، بل على وضوح الرؤية وقدرتها على دمج القطاع الخاص، والنظر إلى الوقود الحيوي كجزء أصيل كملف بيئي ثانوي.

إن الوقود الحيوي ليس مجرد محاولة لإنقاذ الطبيعة، بل هو قرار استراتيجي لإنقاذ الاستقلال الاقتصادي. إنه ليس مجرد بديل للنفط، بل هو البديل الحقيقي لفكرة "الارتهان للخارج". والسؤال الحقيقي الآن لم يعد "هل نتحول؟"، بل "بأي سرعة يمكننا اللحاق بهذا القطار قبل أن يغادر المحطة؟"

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق






الاسمبريد إلكترونيرسالة