U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw
"الانسحاب الصامت".. والانفصال النفسي في المؤسسات
بقلم: أحمد فكري زلط
في أدبيات إدارة الأزمات الحديثة، غالباً ما تترقب القيادات المؤشرات الصاخبة ، مثل تقديم الاستقالات الجماعية، أو تراجع الأرقام والإنتاجية بشكل مفاجئ، أو النزاعات القانونية والعمالية. لكن الشفرة الحقيقية للأزمات تكمن دائماً في تلك الزوايا المظلمة التي تدار في صمت تام، ولعل أخطرها على الإطلاق هو ما اصطلح على تسميته عالمياً بـ "الانسحاب الصامت" (Quiet Quitting)، أو عقدة الانفصال النفسي للموظف عن بيئته المؤسسية.
إنها تلك اللحظة الخفية والخادعة التي تنظر فيها الإدارة إلى المكاتب والممرات، فتجد كل شيء يبدو منضبطاً بالمسطرة؛ ساعات الحضور والانصراف مسجلة بدقة في أنظمة البصمة، والتقارير الدورية تُرفع في مواعيدها المقررة، والهدوء يعم المكان. لكن خلف هذا "الوهم" الإداري، تقبع حقيقة مرعبة: وهي أن عقول هؤلاء الموظفين، شغفهم، ولاءهم، وطاقاتهم الإبداعية.. قد استقالت وغادرت المؤسسة بالفعل منذ شهور، ولم يتبقَ في المكاتب سوى حضور جسدي شبحي!
عَرَض لمرض.. وليس خطأ موظف
تثبت الأبحاث والدراسات العالمية الصادرة عن كبرى معاهد إدارة الأعمال والموارد البشرية، أن الموظف "المنسحب صامتاً" ليس بالضرورة شخصاً فاشلاً أو كسولاً بطبعه. بل على العكس تماماً؛ في كثير من الأحيان، يكون هذا الموظف هو نفسه ذلك الشخص الذي دخل المؤسسة قبل سنوات وهو يشع طاقة ونشاطاً، ممتلئاً بالأفكار والمبادرات المقترحة للتطوير.
لكن الأزمة تبدأ عندما يصطدم هذا الشغف بـ "بيئة عمل صماء" لا تستوعب الطاقات، أو إدارة تقليدية ترى في المبادرة نوعاً من المشاكسة، وفي إبراز المشكلات نوعاً من الهجوم. هنا، يضطر الموظف - كآلية دفاعية - إلى اتخاذ قرار إكلينيكي بتجميد عقله، والوصول إلى قناعة "الامتثال البارد". ومن هنا ندرك أن الانسحاب الصامت هو في حقيقته "عَرَض لمرض إداري" وليس خطأً شخصياً من الموظف؛ إنه الصرخة الأكثر صخباً ولكنها تتم في صمت، لتقول إن قنوات التواصل والأمان النفسي في هذه البيئة قد تضررت بشكل بالغ.
بؤرة الأزمة: هدر اقتصادي غير مرئي
تتكبد كبرى الشركات والمؤسسات حول العالم مليارات الدولارات سنوياً بسبب هذا "النزيف الصامت". فالموظف هنا لا يقدم استقالة رسمية مكتوبة على ورق - نظراً لتمسكه بالمكان أو بحثاً عن الأمان الوظيفي والمالي - ولكنه يقرر الانسحاب عاطفياً وفكرياً. ولتفكيك هذه الشفرة وفهم أبعادها، يمكننا رصد أربعة مظاهر أساسية تلخص هذه الأزمة :
1- العمل بمقدار الكتالوج (حد الأمان القاتل):
الموظف المنسحب صامتاً لا يقصر تقصيراً مباشراً يحاسب عليه القانون؛ هو ينفذ المطلوب منه في الوصف الوظيفي بالحد الأدنى فقط. لا زيادة في فكرة، ولا ربع مبادرة. إذا رأى مشكلة واضحة كفيلة بتعطيل العمل خارج نطاق اختصاصه المباشر، سيمر من جانبها دون أن يحرك ساكناً، ببساطة لأن الثقافة السائدة في محيطه أقنعته بأن "المبادر هو من يتحمل عواقب الخطأ وحده".
2- برود الغيرة المؤسسية:
يفقد الموظف تدريجياً شعوره بالملكية تجاه المكان (Organizational Ownership). تصبح التحديات والأرباح، النجاحات والإخفاقات عنده سواء. تحول الرابط النفسي والتقديري بينه وبين الكيان إلى مجرد علاقة تعاقدية جافة مجردة من أي انتماء، تنتهي بانتهاء ساعات العمل.
3- "الامتثال الآمن" وعدوى الصمت:
عندما تترسخ في مكان ما ثقافة تكافئ الطاعة العمياء وتهتم بالشكل الخارجي والتقارير الوردية على حساب المضمون والابتكار، تتحول الأزمة إلى عدوى مجتمعية داخل الكيان. يبدأ الموظف القديم بنقل "الشفرة السرية" للموظف الجديد: "لا ترهق نفسك، اعمل ما يُطلب منك فقط لتشتري راحة بالك". وهنا تتحول بيئة العمل إلى مساحة مكررة تفتقر لأي ميزة تنافسية.
4- الهجرة غير المباشرة للكفاءات:
الخطر الأكبر للانسحاب الصامت هو تحول بيئة العمل (دون قصد) إلى مساحة طاردة للطاقات الإيجابية. الكفاءات الحقيقية بطبيعتها لا تتحمل العيش في "مستنقع من المياه الراكدة"؛ فإما أن تختار الانسحاب الفعلي ومغادرة المكان فوراً، أو تستسلم للأمر الواقع وينطفئ بريقها، مما يحرم المؤسسة من أعمدتها الرئيسية.
طوق النجاة.. و رسالة إلى صُناع القرار
إن الاستقالة المكتوبة على ورق تمنح المسئول فرصة واضحة لتعيين كفاءة جديدة وضخ دماء جديدة في جسد العمل.. أما "الانسحاب الصامت"، فهو خسارة مزدوجة؛ لأنك تخسر طاقة وعقل الموظف بينما أنت مستمر في دفع تكلفته التشغيلية.
الأزمات الكبرى في عالم المال والأعمال لا تهدم الحيطان فجأة، بل تأكل الأساسات في صمت طويل قبل الانهيار. والموظف الذي ينطفئ فجأة، ويتحول من خانة "المحاربة لأجل جودة العمل" إلى خانة "الامتثال البارد والسكوت المطبق"، هو ليس موظفاً متمرداً، بل هو يرسل للمسؤولين إنذاراً مبكراً وأخيراً بأن منظومة الأمان النفسي وقنوات الإنصات تحتاج إلى ترميم فوري.
إن الادارة الذكية هي من لا تستسلم لوهم الهدوء الإداري، بل تبحث بنشاط عن الأسباب التي جعلت الأصوات المبادرة والكفاءات تخفت، وتعمل جاهدة على إعادة بناء الثقة، وتحويل ذلك "الانسحاب الصامت" إلى "مشاركة صاخبة" في نجاح ومستقبل المؤسسة. ففي معركة البقاء واستدامة الكيانات، لا توجد رفاهية لإهدار رأس المال البشري.. والعدالة والإنصات هما دائماً طوق النجاة.
سلسله #شفرة_الأزمات
#يوميات_واحد_بتاع_ادارة_أزمات
#أحمد_محمد_فكري_زلط
إرسال تعليق