U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw
فريق عمل دمياط لإسالة الغاز الطبيعي .. الأبطال الذين لم تظهرهم الكاميرات
في الأزمات الكبرى، لا ترى الكاميرات غالبًا سوى مشهد النهاية، بينما تبقى البداية الحقيقية بعيدة عن الأضواء؛ تلك الدقائق الحرجة التي تُصنع فيها القرارات المصيرية، ويعمل خلالها المئات بصمت تحت أقصى درجات الضغط. ففي إدارة الأزمات، لا يُقاس النجاح بما يُعلن بعد انقضاء الخطر، وإنما بما يُنجز في اللحظات الأولى، حين يصبح الزمن هو الحد الفاصل بين احتواء الأزمة وتحولها إلى كارثة.
ما شهدته شركة دمياط لإسالة الغاز الطبيعي خلال الحادث الأخير كان نموذجًا عمليًا لقدرة الدولة المصرية على إدارة الأزمات باحترافية، وهو ما أكدته تصريحات دولة رئيس مجلس الوزراء، ورسائل التقدير التي وجهها السادة وزراء البترول والنقل لكافة المشاركين في فريق الطوارئ المشترك تقديرًا لدورهم البطولي في تأمين السفن وحماية الميناء.
لكن خلف تلك المشاهد التي تابعها الجميع، كانت هناك منظومة أخرى تعمل في صمت منذ اللحظة الأولى... منظومة بدأت من داخل شركة دمياط لإسالة الغاز الطبيعي نفسها فبحكم وجود السفينة على رصيف الشركة، كانت الشركة هي أول من تلقى الصدمة، وأول من واجه الحدث ميدانيًا، لتصبح بحكم الواقع خط الدفاع الأول عن واحدة من أهم منشآت الطاقة الاستراتيجية في مصر.
لم يكن هناك وقت لمعرفة أسباب ما حدث أو تصنيفه، بل كان المطلوب هو التعامل مع أسوأ السيناريوهات المحتملة. وفي غضون دقائق، انتقلت الشركة من مرحلة التشغيل الطبيعي إلى إدارة أزمة متكاملة، حيث تحركت إدارات العمليات، والأمن والسلامة، والصيانة، واللوجستيات، وغرف التحكم، وفق خطط طوارئ تم التدريب عليها مسبقًا، ليؤدي كل فريق دوره في توقيت واحد، وبمنتهى الانضباط والاحترافية.
وفي الوقت نفسه، بدأت عملية الإبلاغ والتنسيق مع الجهات المختصة، لتتحول غرفة العمليات بالشركة إلى نقطة الارتكاز الأولى في إدارة الحدث، ومنها انطلقت المعلومات الميدانية الدقيقة إلى مختلف أجهزة الدولة، بما ساعد على سرعة بناء صورة واضحة للموقف واتخاذ القرارات المناسبة في توقيتها الصحيح.
ولعبت منظومة المراقبة والتحكم بالشركة دورًا بالغ الأهمية خلال الساعات الأولى، إذ وفرت تسلسلًا زمنيًا دقيقًا لما جرى داخل نطاق المنشأة، وأسهمت في دعم أعمال المتابعة والتقييم الفني، وساعدت الجهات المختصة على فهم تطور الأحداث بصورة دقيقة، وهو ما كان أحد العناصر المهمة في إدارة الأزمة.
ومع استمرار التعامل الميداني، تم تفعيل قنوات الاتصال المباشر مع غرفة طوارئ وزارة البترول والثروة المعدنية، التي تابعت تطورات الموقف لحظة بلحظة، بما أتاح إدارة الأزمة على مستوى القطاع بأكمله، واتخاذ القرارات بصورة متزامنة مع تطورات الحدث.
كما جرى التنسيق المستمر مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، لضمان استمرارية منظومة الغاز الطبيعي، وتبادل المعلومات الفنية والتشغيلية بصورة لحظية، في إطار منظومة عمل موحدة جمعت جميع الأطراف المعنية ولم يقتصر الأمر على المتابعة من غرف العمليات، بل شهد الموقع الحضور المباشر والسريع لمعالي وزير البترول والثروة المعدنية فور علمه بالحادث، لمتابعة الموقف ميدانيًا، والاطمئنان على سلامة العاملين والمنشآت، ودعم فرق العمل، والتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة،
وفي الوقت الذي كانت فيه فرق الشركة تؤمن المنشأة، وتشغل أنظمة الحماية، وتنفذ إجراءات العزل والتبريد، كانت أطقم القاطرات البحرية وهيئة ميناء دمياط، والحماية المدنية، وإدارة الملاحة، وباقي أجهزة الدولة، تعمل في الوقت نفسه لتنفيذ واحدة من أدق عمليات تأمين وسحب السفن، في مشهد جسّد أرقى صور العمل المؤسسي وروح الفريق الواحد.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن النجاح لم يكن نتاج بطولة فردية، ولم يكن إنجاز جهة واحدة، بل كان ثمرة منظومة وطنية متكاملة، تكاملت فيها أدوار شركة دمياط لإسالة الغاز الطبيعي، ووزارة البترول، وإيجاس، وهيئة ميناء دمياط، والقاطرات البحرية، والحماية المدنية، والجهات الأمنية، وجميع أجهزة الدولة، حتى انتهت الأزمة دون تأثر منظومة الطاقة، ودون خسائر في منشآت الشركة.
لقد أكدت التجربة أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وأن المعدات مهما بلغت كفاءتها لا تحقق أهدافها إلا بعقول تديرها، وقلوب تؤمن برسالتها، ورجال يمتلكون الخبرة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار تحت أقصى درجات الضغط وربما لم تُسلَّط الأضواء على كل من كان في قلب الحدث، لكن الواقع أثبت أن رجال شركة دمياط لإسالة الغاز الطبيعي كانوا منذ اللحظة الأولى جزءًا أصيلًا من منظومة وطنية تحملت المسؤولية في أصعب الظروف، فكانوا المبادرين بالاستجابة، والمنسقين مع الجهات المعنية، وشركاء النجاح في حماية واحدة من أهم منشآت الطاقة في مصر.
إنها ليست قصة شركة أو جهة بعينها... بل قصة دولة تمتلك رجالًا يعرفون كيف يعملون معًا، ويضعون الوطن فوق كل اعتبار، لتظل مصر قادرة على حماية مقدراتها، وتأمين مستقبلها، مهما كانت التحديات.
تحية تقدير لكل من عمل بصمت... ولكل من كان جزءًا من هذا الأداء الوطني المشرف.
إرسال تعليق