U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw

من الرؤية إلى المسؤولية كيف يعيدنا القرآن إلى فهم أنفسنا والكون خطوة بخطوة كتبت د / دعاء الهلاوى


الجزء الأول من القرآن ليس مجرد افتتاح للمصحف، بل هو إعادة ضبط شاملة لطريقة فهم الإنسان للكون، ولنفسه، ولعلاقته بالله.

إنه يؤسس للرؤية قبل أن يطالب بالفعل، لأن الفعل بلا فهم يتحول إلى عادة، والطاعة بلا وعي تفقد جذورها.


﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

رب العالمين تعني رب كل الأنظمة: من حركة المجرات إلى أدق تفاصيل الحياة. من يدير هذا الكون المنضبط هو نفسه الذي يدبر شؤون الإنسان. الفكرة هنا ليست دينية مجردة، بل كونية: النظام ليس صدفة، والمعنى سابق على الإنسان.


﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

العدل ليس قيمة أخلاقية فقط، بل قانون كوني. لا شيء يضيع، ولا ظلم يمر دون حساب، حتى إن تأخر. الإيمان بالآخرة يعيد التوازن للنفس حين تختل الموازين في الدنيا.


﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

الهداية ليست معلومة ذهنية، بل مسار ثابت. كما أن للكواكب مدارات لا تخرج عنها، للإنسان طريق إن خرج عنه اضطربت حياته. الاستقامة ليست تشددًا، بل انسجام مع الفطرة.


﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾

في عالم يزداد فيه الشك والتشويش، يقدم القرآن نفسه كمرجع يقين، لا كبديل عن العقل، بل كبوصلة له.


﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾

ليست كل الحقائق مرئية. كثير من القوانين التي تحكم حياتنا لا نراها، ومع ذلك نؤمن بتأثيرها. الإيمان هنا وعي بحدود الإدراك الإنساني، لا هروبًا من الواقع.


﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

الإنسان لم يُخلق ليكون ضيفًا عابرًا، بل مسؤولًا. الأرض أمانة وليست ملكًا مطلقًا، والاستخلاف يعني عمارة لا استهلاكًا أعمى.


﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

العلم هو أساس الاستخلاف. الفهم يسبق التكليف، والمعرفة شرط للعبادة الواعية. لا قيمة لعبادة تُمارَس بلا إدراك.


﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

الإيمان الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على الوعي والاختيار. القناعة أعمق أثرًا من الإكراه، وأبقى


 ثم من الرؤية إلى الاختبار

ففى الجزء الثاني من القرآن ينقل الإنسان من تأسيس الرؤية إلى اختبارها في الواقع.

بعد أن يعرّفك من أنت، ومن ربك، ولماذا خُلقت، يبدأ في كشف سنن التعامل مع الحياة والناس والاختلاف.

﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ﴾

الحياة ليست فكرة مجردة، بل تجربة. هناك أوامر وحدود ومساحات مباحة، والاختبار الحقيقي يبدأ عند أول تكليف عملي.

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾

الانحراف لا يبدأ دائمًا بالكفر، بل بزلة صغيرة خارج المسار. الوعي بالضعف الإنساني جزء من الرحمة الإلهية.

﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾

السقوط ليس النهاية. التوبة آلية كونية لإعادة الاتزان. الله لا يبحث عن إنسان معصوم، بل عن إنسان واعٍ يعود.

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾

التاريخ في القرآن ليس سردًا، بل إنذار وتذكير. أمم نجحت حين وعت، وسقطت حين نسيت العهد.

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

العبادة هنا ليست طقسًا منفصلًا عن الحياة، بل وسيلة ضبط داخلي. الصلاة تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والوقت، وبين القلب والفعل.

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾

أخطر أشكال الخلل هو الانفصام بين المعرفة والسلوك. الوعي الذي لا يتحول إلى فعل يتحول إلى عبء.

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾

التغيير ليس لحظة، بل مسار طويل. الصبر هنا ليس استسلامًا، بل ثباتًا واعيًا أمام تعقيد الواقع.

وبعد ذلك يتحول من الفرد إلى الأمة ففى

الجزء الثالث من القرآن ينقل الإنسان من اختبار الفرد إلى مسؤولية الجماعة.

بعد تثبيت الرؤية وظهور الاختبار، يبدأ الحديث عن الاتجاه: كيف تُبنى أمة؟ وكيف يحفظ الإنسان بوصلته وسط الزحام؟


﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

الوسطية ليست تمييعًا، بل اتزان. الأمة الشاهدة لا تميل للغلو ولا للانفلات، بل تفهم موقعها بين الأرض والسماء.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾

الابتلاء سُنّة جماعية كما هو فردية. المجتمعات تُختبر كما يُختبر الأشخاص، ليتميز الجوهر عن الشكل.

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾

الانتماء الحقيقي يظهر وقت الأزمات. حين يدرك الإنسان أنه ليس مركز الكون، يهدأ قلبه ويستعيد توازنه.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾

الصيام تدريب على ضبط الرغبة، لا مجرد امتناع عن الطعام. لا تُبنى أمة حرة بعقول مستعبدة لشهواتها.

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾

العدل أساس الاستقرار، وأي خلل في الحقوق يتحول مع الوقت إلى خلل في القيم.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

الله قريب بلا وسطاء. علاقة مباشرة، حيّة، متجددة، ومن هذا القرب تولد القوة الحقيقية.

فالقرآن لا يقدّم إيمانًا معزولًا عن الواقع، ولا روحانية منفصلة عن الحياة.

إنه مشروع وعي، ثم اختبار، ثم مسؤولية.

يعرفك بنفسك، ثم يضعك أمام مرآتها، ثم يسألك:

هل ستحوّل الفهم إلى حياة؟

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق







الاسمبريد إلكترونيرسالة