U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw
حكايات الشوارع التي لا تكتبها الصحف
بقلم: شحاتة زكريا
في كل مدينة شارع… وفي كل شارع حكاية.
لكن ليست كل الحكايات تجد طريقها إلى صفحات الصحف.
فالصحف غالبا تكتب عن السياسة والاقتصاد عن المؤتمرات والقرارات والبيانات الرسمية لكنها نادراما تكتب عن تلك القصص الصغيرة التي تعيش في صمت بين الناس. قصص لا تصنع ضجيجا لكنها تحمل من المعاني ما قد يعجز عنه خبر كبير في الصفحة الأولى.
الشوارع ليست مجرد طرق نسير فيها كل يوم.
إنها مسرح مفتوح لحياة كاملة،د تتقاطع فيه أحلام البسطاء مع تعب الأيام وتختبئ فيه مواقف إنسانية صادقة لا يراها أحد.
في الصباح الباكر قبل أن تستيقظ المدينة تماما يبدأ الشارع حكايته الأولى عامل نظافة يجر عربته في هدوء يمسح آثار ليلة مضت بينما يحمل في قلبه أمنية بسيطة: أن يعود إلى بيته آخر اليوم وقد وفّى بواجب يومه قد يمر الناس بجواره دون أن يلتفتوا لكن هذا الرجل الذي يختفي في زحام الحياة هو جزء من قصة أكبر: قصة إنسان يعمل بصمت كي تظل الحياة ممكنة للآخرين ..على ناصية أخرى يقف بائع الشاي يضع أكوابا صغيرة على صينية معدنية، ويبتسم لكل من يقترب. لا يعرف عنه المارة شيئا ، لكن خلف تلك الابتسامة حكاية طويلة من الكفاح. ربما يعيل أسرة كاملة وربما ينتظر نهاية اليوم ليجمع ما يكفي لشراء احتياجات الغد.
هذه الحكايات لا تظهر في الأخبار ، لكنها حقيقية بقدر أي حدث كبير.
الشوارع تعرف وجوها كثيرة بعضها يمر سريعا كأن الزمن يطارده وبعضها يقف قليلا ليلتقط أنفاسه.
طالب جامعي يحمل حقيبته الثقيلة ، يحلم بمستقبل أفضل، ولا يعرف أن الطريق إليه قد يكون أطول مما يتصور.
امرأة بسيطة تمسك بيد طفلها تعبر الطريق بحذر كأنها تعبر الحياة كلها بخطوات محسوبة.
رجل مسن يجلس على مقعد قديم أمام متجر صغير يراقب حركة الناس بصمت وكأن عينيه تقرآن قصصهم دون أن يسمع كلمة واحدة.
هذه التفاصيل الصغيرة هي نبض الشارع الحقيقي.
هي الحياة كما هي بلا تجميل ولا عناوين كبيرة.
في بعض الأحيان يحدث في الشارع موقف بسيط لكنه يترك أثرًا عميقا.
شاب يمد يده ليساعد رجلا مسنا على عبور الطريق.
طفل يبتسم لبائع بسيط فيرد له الابتسامة بفرح حقيقي.
امرأة تدعو دعوة صادقة لشخص لا تعرفه.
لحظات قصيرة لكنها تقول الكثير عن جوهر الإنسان.
الغريب أن هذه القصص لا تُكتب كثيرا ربما لأنها لا تبدو خبرا مهما بالمعنى التقليدي. لكنها في الحقيقة تحمل قيمة أكبر: قيمة الإنسانية التي لا تقاس بالأرقام.
الشوارع أيضا تعرف الحزن تعرف وجوها متعبة تسير بصمت تحمل هموما لا يراها أحد.
شاب يبحث عن فرصة عمل يسير بين المكاتب واللافتات يعود في نهاية اليوم بخطوات أبطأ مما خرج بها.
بائع بسيط ينتظر زبونا قد يأتي وقد لا يأتي.
أم تدعو في سرها أن يفتح الله باب رزق لابنها.
كل هؤلاء يعيشون قصصا كاملة لكنها لا تجد طريقها إلى الورق.
ربما لأن الصحافة مثل الحياة تنشغل أحيانا بما هو أكبر وأعلى صوتا فتفوتها تلك اللحظات الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي.
لكن من يتأمل الشارع جيدا يدرك أن هناك عالما كاملا يتحرك أمامه .. عالما لا يحتاج إلى عناوين ضخمة بل يحتاج فقط إلى عين ترى… وقلب يشعر .. فالشارع ليس مجرد مكان للمرور بل مساحة إنسانية واسعة تتجاور فيها الحكايات .. هناك من يسير وهو يحمل حلما كبيرا ، وهناك من يسير وهو يحاول فقط أن يكمل يومه بسلام.
ومع ذلك يظل في الشوارع شيء جميل رغم كل شيء: روح الناس البسطاء.
هذه الروح التي تظهر في كلمة طيبة في ابتسامة عابرة في موقف صغير قد يمر دون أن يلاحظه أحد. لكنها تظل دليلا على أن الخير ما زال يسكن تفاصيل الحياة اليومية.
ربما لو توقفت الصحف قليلا عن مطاردة الأخبار الكبيرة، ونظرت إلى الشوارع بعين أخرى لاكتشفت كنزا من القصص الإنسانية.
قصص لا تتحدث عن السلطة أو المال أو النفوذ بل عن الإنسان نفسه: عن صبره، وعن أحلامه الصغيرة، وعن قدرته العجيبة على الاستمرار رغم كل الصعوبات.
فالمدينة ليست مباني عالية ولا طرقا مزدحمة فقط بل هي قبل كل شيء حكايات الناس الذين يعيشون فيها.
وهؤلاء الناس الذين يمرون كل يوم أمام أعيننا دون أن نلتفت إليهم هم الأبطال الحقيقيون لحياة كاملة لا تكتب كثيرا.
وربما لهذا السبب تبقى الشوارع مليئة بالقصص…
قصص صادقة، بسيطة، وعميقة في الوقت نفسه.
قصص قد لا تجد طريقها إلى عناوين الصحف…
لكنها تظل مكتوبة في ذاكرة الحياة.
إرسال تعليق