U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw
يوم في حياة مهندس بترول: 12 ساعة تحدد مصير إنتاج وطن
#كواليس_البترول
الساعة 6 صباحا. يرن منبه الهاتف في معسكر صحراوي يبعد 300 كيلومتر عن القاهرة. يستيقظ المهندس أحمد، يغسل وجهه بماء بارد، ويرتدي الزي الواقي والخوذة وحذاء السلامة. يتناول فنجان قهوة سريع، ثم يتجه إلى غرفة التحكم. هذا ليس يومًا استثنائيًا، بل هو الروتين اليومي لآلاف المهندسين في قطاع البترول المصري.
كنت قد قضيت 12 ساعة برفقة مهندس تشغيل في أحد حقول الصحراء الغربية، لنرصد كيف يمكن لقرار يُتخذ في ثانية أن يوقف إنتاجًا بمئات ملايين الدولارات، أو أن يحافظ على أرواح 200 عامل.
7:00 صباحًا: الاجتماع الأهم من الإنتاج
قبل أن يُدار أي صمام، يتوقف الجميع. "اجتماع السلامة" Safety Meeting لمدة 15 دقيقة. لا هواتف، ولا أحاديث جانبية.
"أولويتنا اليوم ليست البرميل، أولويتنا أن نعود إلى منازلنا جميعًا كما جئنا" عبارة يرددها مشرف السلامة يوميًا.
تُستعرض تصاريح العمل، ومواقع الأعمال الساخنة، والمخاطر المناخية. في قطاع البترول، القاعدة الذهبية تقول: "إذا لم يكن آمنًا، فلن يُنفّذ".
8:00 صباحًا: قلب الحدث - غرفة التحكم
أمامه شاشات أكثر من غرفة التحكم في مطار. ضغوط، درجات حرارة، ومعدلات تدفق. المهندس هنا طبيب طوارئ، لكن لآلة.
"نظام SCADA هو عينك. إذا انطلق الإنذار، يجب أن يعمل عقلك قبل يدك" يقول أحمد أثناء متابعته لمنحنى ضغط البئر.
أي تغيّر بسيط في اللون الأصفر على الشاشة قد يعني تسريبًا، انسدادًا، أو عطلًا في المضخة. القرار هنا يُتخذ خلال دقائق.
12:00 ظهرًا: وجبة سريعة ومكالمة إلى الوطن
تتجاوز الحرارة 45 درجة مئوية في الخارج، لكن التكييف يعمل داخل المعسكر. نصف ساعة للغداء، أرز ودجاج، ثم خمس دقائق مكالمة للمنزل.
"كيف حال الأولاد؟ هل ذاكروا؟" يتغير صوته فور رد زوجته. الغربة قاسية، لكن يهونها الإحساس بالمسؤولية.
"حين يقول لي ابني في المدرسة: أبي يستخرج البترول كي لا ينقطع التيار، يهون عليّ تعب الأسبوع كله".
2:00 ظهرا: الجولة الميدانية
يُغلق الحاسوب، ويُعاد ارتداء الخوذة. لا بد من النزول إلى الميدان. يمر على وحدات الفصل، والمضخات، وخطوط النقل.
يضع يده على الأنبوب ليتحس الاهتزاز، ويشم رائحة الغاز للتأكد من عدم وجود تسريب. التكنولوجيا مهمة، لكن "حاسة المهندس" لا تزال الأهم.
"هذه الآلة كالسيارة، يجب أن تصغي إلى صوتها لتعرف ما بها" على حد تعبيره.
7:00 مساء: تسليم الوردية
قبل المغادرة، يُسلّم زميله القادم. 30 دقيقة من الشرح التفصيلي: ما الذي أُنجز، وما المُعلق، وأين مواطن الخطر.
هذا التسليم ليس إجراءً روتينيًا، بل هو عقد أمانة. كلمة ناقصة قد تكلف حياة، أو توقف إنتاج الحقل بأكمله.
8:00 مساءً: نهاية تشبه البداية
يخلع الزي الواقي، يأخذ حمامًا سريعًا، وينام على صوت جهاز الحفر العامل على مدار الساعة. وغدًا نفس الموعد، ونفس المسؤولية.
حين تضغط مفتاح الإنارة، أو تزود سيارتك بالوقود، أو يعمل المصنع الذي تعمل فيه طوال الوردية، تذكّر أن وراء كل ذلك مهندس استيقظ عند الفجر.
قطاع البترول ليس آبارًا وأنابيب فحسب. قطاع البترول هم أناس اختاروا العمل في قلب الصحراء والبحر، كي لا تتعطل عجلة الوطن.
قطاع البترول المصري قائم على أكتافهم. وهذه قصة من بين مئة ألف قصة تحمل التفاصيل نفسها.
إرسال تعليق