U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw

شحاتة زكريا يكتب: الهروب الكبير من المعنى



لم يكن الإنسان في أي عصر من العصور أكثر قدرة على التواصل مما هو عليه اليوم ومع ذلك لم يكن أكثر شعورا بالوحدة كما هو الآن. ولم يكن يمتلك هذا الكم الهائل من وسائل الراحة والمعرفة والرفاهية ومع ذلك لم يكن القلق يطارده بهذه الصورة التي نراها في كل مكان.. نعيش في زمن يبدو فيه كل شيء متاحا إلا الشيء الأهم: المعنى.

لقد أصبح العالم أكثر سرعة من أن يمنح الإنسان فرصة للتأمل وأكثر صخبا من أن يسمح له بسماع صوته الداخلي. نستيقظ على إشعارات لا تنتهي ونمضي يومنا بين الأخبار والصور والمنشورات والمقاطع القصيرة ثم ننام وقد استهلكنا ساعات طويلة من أعمارنا دون أن نعرف على وجه الدقة ماذا أضفنا إلى حياتنا أو ماذا أضافت الحياة إلينا.. ولعل المأساة الحقيقية ليست في ضياع الوقت بل في ضياع البوصلة.. فقد كان الإنسان عبر التاريخ يبحث عن معنى لوجوده. كان يسأل نفسه: لماذا أعيش؟ وما الذي يجعل لحياتي قيمة؟ وما الأثر الذي سأتركه خلفي؟ كانت هذه الأسئلة هي التي تدفعه إلى الإبداع والعمل والتضحية وتحمل المشاق.. أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الأسئلة. أصبح كثيرون يسألون: كيف أبدو أمام الآخرين؟ كم عدد المتابعين؟ كم حققت من المشاهدات؟ كيف أصل إلى الشهرة الأسرع؟ وكيف أحصل على المزيد من الأشياء؟

وهكذا انتقل الاهتمام من الجوهر إلى المظهر ومن القيمة إلى الصورة ومن المعنى إلى الاستهلاك...لقد نجحت الحضارة الحديثة في جعل الإنسان أكثر اتصالا بالعالم لكنها في أحيان كثيرة جعلته أقل اتصالًا بنفسه. فوسط هذا التدفق الهائل من المعلومات تضيع القدرة على التأمل. ووسط سباق الإنجاز المادي تتراجع الأسئلة الكبرى التي تمنح الحياة عمقها الحقيقي...وليس المقصود هنا إدانة التكنولوجيا أو رفض التقدم. فهذه الأدوات منحت البشرية إمكانات هائلة وغير مسبوقة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية وعندما يصبح الإنسان أسيرا لما صنعته يداه...إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي وحده بل الفقر الوجودي. ذلك الشعور الخفي الذي يجعله يمتلك الكثير لكنه لا يشعر بالاكتفاء ويحقق النجاح لكنه لا يشعر بالسعادة ويعيش وسط الناس لكنه يشعر بالعزلة...ولهذا لم يعد غريبا أن ترتفع معدلات القلق والاكتئاب في كثير من المجتمعات رغم تحسن مستويات المعيشة. فالنفس البشرية لا تعيش بالخبز وحده ولا تكتفي بالأرقام والحسابات والمكاسب. إنها تحتاج إلى معنى يمنحها القدرة على الاستمرار.. فالمعنى هو ما يجعل العمل رسالة لا مجرد وظيفة والعلم رحلة لا مجرد شهادة والعلاقات الإنسانية دفئًا لا مجرد تواصل عابر. وهو ما يجعل الإنسان قادرا على تجاوز الألم لأنه يدرك أن وراء معاناته هدفا أكبر من اللحظة الراهنة...ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من أزمة العصر...فكثير من الناس لا يهربون من الفشل بل يهربون من مواجهة أنفسهم. يملأون أوقاتهم بالضجيج المستمر حتى لا يسمعوا الأسئلة التي تقلقهم. يركضون من هدف إلى آخر ومن رغبة إلى أخرى ومن شاشة إلى أخرى لأن التوقف للحظة قد يجبرهم على مواجهة فراغ داخلي لا يعرفون كيف يتعاملون معه.. إن الهروب الكبير من المعنى لا يحدث فجأة بل يبدأ تدريجيا. يبدأ عندما تصبح الحياة سلسلة من العادات المتكررة الخالية من الشغف. وعندما يتحول النجاح إلى سباق لا نهاية له. وعندما ينسى الإنسان أن قيمته الحقيقية ليست فيما يملك بل فيما يكون.

وقد تكون المفارقة الأكثر إيلاما أن كثيرا من الناس يكتشفون هذا الأمر متأخرين. بعد سنوات من السعي واللهاث وجمع المكاسب يكتشفون أن ما كانوا يبحثون عنه لم يكن المال وحده ولا الشهرة وحدها ولا المكانة وحدها بل الشعور بأن لحياتهم معنى يستحق أن تعاش من أجله.. ولهذا فإن أعظم الثروات ليست تلك الموجودة في البنوك، بل تلك الموجودة في القلب والعقل والروح. ثروة الإيمان بهدف نبيل والعمل من أجل فكرة تستحق، وخدمة الآخرين وترك أثر طيب في الحياة...إن الإنسان الذي يعرف لماذا يعيش يصبح أكثر قدرة على تحمل كيف يعيش. وهذه الحقيقة البسيطة كانت وراء أعظم الإنجازات الإنسانية عبر التاريخ. فكل مشروع عظيم بدأ بمعنى. وكل حضارة كبيرة قامت على فكرة. وكل إنسان ترك أثرا خلفه كان مدفوعا بهدف يتجاوز مصالحه الشخصية الضيقة...واليوم ونحن نعيش في عالم سريع التغير تبدو الحاجة إلى استعادة المعنى أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. نحتاج إلى إعادة اكتشاف قيمة القراءة العميقة بدل الاستهلاك السريع للمعلومات وقيمة العلاقات الإنسانية الحقيقية بدل التفاعل الرقمي العابر وقيمة العمل المتقن بدل البحث عن المكاسب السريعة.. نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا من جديد: ماذا نريد أن نترك خلفنا؟ وما القيمة التي نضيفها إلى هذا العالم؟ وما الذي يجعل حياتنا جديرة بأن تعاش؟ في النهاية ليست المشكلة أن العالم تغير فالتغيير سنة الحياة. المشكلة أن الإنسان قد ينشغل أحيانا بكل شيء حوله إلا نفسه. وقد يعرف أخبار العالم كله بينما يجهل ما يدور في أعماقه.. ومن هنا يبدأ الهروب الكبير من المعنى.

لكن الخبر الجيد أن الطريق إلى المعنى لا يزال موجودا. يبدأ من لحظة صدق مع النفس ومن سؤال حقيقي نطرحه على أرواحنا ومن إيمان بأن الحياة أكبر من مجرد استهلاك الأيام.

ففي عالم يزداد ضجيجا كل يوم ربما يصبح البحث عن المعنى هو أعظم رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان... وأشجعها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق







الاسمبريد إلكترونيرسالة