U3F1ZWV6ZTEzNjM0ODAyMTA5OTkwX0ZyZWU4NjAyMDEyMTgzODkw
شحاتة زكريا يكتب: المحتوى أم المؤثر؟… من يقود عقول الشباب اليوم؟
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتصبح المعلومات في متناول اليد في لحظات يتساءل كثيرون: هل ما يشاهده الشباب اليوم يُشكل وعيهم أم أن من يقودهم هو من يمتلك منصة أو شهرة، بغض النظر عن قيمة المحتوى؟ هذا السؤال ليس مجرد فرضية بل هو حقيقة يومية تصطدم بها الأسرة والمجتمع والمدرسة حيث يتشكل جيل كامل أمام شاشات صغيرة تتقاذفه الرسائل والآراء أحيانا بلا فلتر أو نقد وأحيانا وفق أجندات خفية.
الحقيقة أن الشباب اليوم أمام ساحة مزدحمة بالمعلومات والمحتوى والمؤثرين. كل منصة رقمية من تيك توك إلى إنستجرام وحتى يوتيوب تتحوّل إلى ساحات تأثير حيث تتنافس الأسماء والصور والفيديوهات على انتباه المشاهد وغالبًا على قلبه وعقله قبل وقت طويل من استيعاب الرسالة. هنا يظهر السؤال الحقيقي: هل يتأثر الشباب بما يرفع وعيهم ويثري مداركهم ، أم بما يجذب المشاهدات ويثير الفضول اللحظي؟
الواقع أن المؤثرين لهم قوة هائلة لأنها قوة حضور يومي وقوة تكرار الرسائل ، وقوة التفاعل المباشر. هؤلاء الأشخاص يملكون القدرة على تشكيل اتجاهات على ترسيخ قيم معينة على تحويل تفاصيل صغيرة إلى مواضيع كبرى. ولأن الشباب غالبًا ما يبحث عن نموذج قريب منه فالمؤثر يصبح صورة حية لما يريد أن يكون سواء في المظهر أو الرأي أو التصرف. ومن هنا تتشكل أحيانا عوالم موازية حيث يحاكي الشاب سلوكا ويقتبس لغة ويعيش قيما ربما بلا وعي كامل بعواقبها.
لكن المحتوى من ناحية أخرى يملك قوة مختلفة ربما أعمق وأكثر استدامة لأنه يُبنى على المعرفة والمعلومة والفكرة. محتوى جيد يخلق عقلا ناقدا ويزرع قيما ويحفز التفكير ويشجع على التمييز بين الصواب والخطأ. المحتوى القوي هو الذي يتحول إلى أسلوب حياة إلى مرجعية داخلية لا إلى مجرد تأثير مؤقت. وهو الوسيلة التي تصنع جيلا قادرا على مواجهة تحديات الحياة بنضج وفهم لا بمجرد تقليد لما يراه على الشاشة.
ومع ذلك فإن المؤثر والمحتوى ليسا دائمًا في صراع بل في توازن دقيق. حين يلتقي المحتوى الجيد مع شخصية مؤثرة تستطيع إيصال الرسالة بصدق وجاذبيةيحدث أثر مضاعف. هنا يصبح الشباب ليس متلقين سلبيين بل متفاعلين قادرين على التمييز والاختيار. لكن الخطر يكمن عندما يقود المؤثر بلا مضمون أو عندما يُقدم المحتوى بلا قدرة على الوصول للقلب والعقل معا. في هذه الحالة يصبح الشباب مجرد أداة وعيهم مشوش وأفكارهم مرهونة بتأثير اللحظة لا بالمعرفة.
وهنا يبرز دور الأسرة والمدرسة والدولة في بناء آليات توجيه وإرشاد. فليس المطلوب حجب المحتوى أو التضييق على حرية التعبير بل تطوير القدرة على القراءة النقدية وتعليم الشباب كيف يميز بين المؤثرين الذين يضيفون قيمة وبين من يلهثون وراء الشهرة والربح الفوري. فالمعركة الحقيقية ليست بين مؤثر ومحتوى فقط بل بين وعي وشعور بين معرفة وأثر لحظي.
والسؤال الأكثر حساسية هو: من يتحمل مسؤولية ما يشاهده الشباب؟ هل المسؤول هو الفرد وحده، أم المجتمع، أم المنصات الرقمية، أم الجميع معا؟ الإجابة تكمن في التعاون بين هذه الأطراف في وضع قواعد واضحة وفي تشجيع المحتوى الهادف وفي تعزيز المؤثرين الذين يحملون رسالة إيجابية وقيما تستحق المتابعة. وهنا يصبح التوازن ممكنا ويصبح الشباب أكثر قدرة على اتخاذ القرار وأكثر وعيا بتأثير ما يستهلكونه من معلومات.
الواقع أن ما يحدث اليوم هو اختبار حقيقي لمستقبل المجتمع. فالشباب هم رأس المال البشري الذي يصنع غد الأمة وفقدان البوصلة في عالم مزدحم بالمؤثرين والمحتوى الفوري قد يؤدي إلى فراغ فكري وأخلاقي ينعكس على كل المؤسسات. بالمقابل الاستثمار في محتوى هادف وتشجيع مؤثرين واعين وخلق بيئة تفاعلية صحية يصنع جيلا قادرا على قيادة نفسه ووطنه نحو المستقبل بثقة.
وفي النهاية الإجابة على السؤال ليست سهلة، لكنها واضحة في اتجاه واحد: الشباب يحتاجون إلى كليهما لكن بوعي واختيار. المحتوى بلا حضور لا يترك أثرا والمؤثر بلا محتوى لا يربط بين اللحظة والمعنى. النجاح الحقيقي هو في الجمع بينهما ليصبح كل تأثير فرصة للتعلم وكل مشاهدة درسا في التفكير النقدي وكل لحظة على الشاشة فرصة لصياغة وعي مستقل.
إن عالم اليوم يطرح تحديًا كبيرا: هل ستقودنا الشهرة أم المعرفة؟ هل سنترك عقل الشباب مرهونا بالمؤثر اللحظي أم سنجعل منه مشروع مجتمع واع قادر على التفكير، والتحليل، والاختيار؟ الجواب اليوم يكتب على كل شاشة وفي كل محادثة وفي كل لحظة تفاعل. والشباب إن أدركوا هذا، سيصبحون صناع المستقبل لا مجرد متلقين.
المستقبل يبدأ اليوم… بين المحتوى الواعي والمؤثر المسؤول.
إرسال تعليق